جارنا الجديد

موقع أيام نيوز

حارس الذكرى والظلمة
الحلقة الأولى جذور في صمت التراب
كانت أحضان التراب في زاويتنا الصغيرة من الحي القديم تشهد على أمنية رجل لم يمهله القدر كي يرى حلمه يكتمل. قبل اثني عشر عامًا، وتحديدًا في ذلك الخريف الذي غشيت فيه الغيوم الړصاصية سماء المدينة، جثا زوجي سامح على ركبتيه في زاوية الحديقة الشرقية، يدخل جذعًا غضًا في ظلمات الأرض. كان يمسك بالشتلة الصغيرة كما يمسك الأب بوليده الأول، ويضبط استقامتها بكفين تشققا من أثر التعب. تذكرت وجهه الناصع وقطرات العرق التي تساقطت على التراب المثار وهو يلتفت إليّ بابتسامة دافئة، قائلًا بثرثرته المحببة هذه الشجرة يا منى لن تكتفي بإطعامنا، بل ستكون شاهدة على سنواتنا القادمة، ستكبر مع كل تجعيدة تعلو وجهينا، وستظل هاهنا تثمر حتى بعد أن نغادر نحن هذا العالم.
لم أكن أعلم حينها أن كلماته كانت وداعًا مبكرًا، وأن الأقدار ستسلبني إياه بعد أشهر قليلة إثر مرض خاطف أكل جسده النحيل في صمت. ماټ سامح، وجف كل شيء من حولي، واستحالت حياتي إلى رماد سردابي خاوٍ. لكن الشجرة لم تمت. ظلت تلك السترة الخضراء الصغيرة تقاوم قسۏة الشتاءات والجفاف، تنمو بخطى ثابتة ومستقيمة، كأنها امتصت من تراب الأرض بعضًا من روح سامح، واستعادت عبر عروقها نبضات قلبه المتوقف.
ومع مر السنين، تحولت الشجرة إلى مارد أخضر مهيب يتوسط حديقتي. كان كل خريف يحول أغصانها المترامية إلى ثريات مثقلة بالتفاح الأحمري الناصع، الشبيه بكرات المرجان المتوهجة. كبرت الشجرة، وكبر معها حزني حتى صار أليفًا، واستحالت أوراقها المتراقصة مع رياح الشمال إلى همسات زوجي الغائب. لم يكن التفاح يمثل لي مجرد فاكهة، بل كان رسائل محبة مؤجلة. كنت أستيقظ مع تباشير الصباح الأول، وأحمل سلال القش المجدولة، لأملأها بالثمار الناضجة، ثم أطوف بها على جيران الحي الذين عرفوا حسني وطيب أثري، وأوزعها على المكاتب في مقر عملي، وعلى عوائل الكادحين في طرف الحي السفلي. كان الناس يرون في التفاح جودًا وسخاءً، بينما كنت أرى فيه الطريقة الوحيدة التي استطعت بها إبقاء سامح حيًا في أذهان الجميع.
كان بيتي مأمنًا وهادئًا، يحيطه سور منادٍ بالسکينة، تظلله شجرة التفاح التي امتدت بعض أغصانها العالية بحنان فوق الفراغ الفاصل بيني وبين البيت الملازم. كانت أمور الحي تسير برتابة ناعمة، وناس المكان يعرفون حرمات بعضهم البعض، حتى أطل الربيع الماضي، محملًا ببوادر شؤم لم أستشفها في الحين. بيع البيت الملازم لحوشي بعد ۏفاة صاحبه العجوز الطيب، واستقر فيه جار جديد، رجل في أواخر الأربيعينات من عمره، يُدعى خالد.
منذ اللحظة الأولى لوصول حافلات النقل الخاصة به، كان انطباع المكان ينفر منه. رجل حاد النظرات، يعتلي وجهه كبرياء أجوف، ومظهره ينم عن استعلاء متكلف على البيئة المحيطة به. لم يكد يستقر في بيته حتى بدأت ألمح نظرته الشزراء الموجهة نحو حديقتي. كانت عيناه تتنقلان بين زوايا بيتي وشجرة التفاح بتأفف لا يخطئه بصري. كنت أمني نفسي بأنها مجرد انطباعات أولية ستزول مع الأيام عندما يتعرف على أهل الحي، لكنه لم يمهلني طويلاً قبل أن يفرغ سمومه على عتبة بيتي.
في أحد أيام أيار الدافئة، بينما كنت أسقي أحواض الورد الخزفية الممتدة عند جدار الحوش، سمعت قرقعة جرس الباب الخارجي بنبرات متتالية ومتطافرة تفتقر إلى الكياسة. فتحت الباب لأجد خالد واقفًا أمامي، يرتدي بدلة رسمية كأنما يحضر اجتماعًا، ووجُهه يحمل ملاامح انزعاج شديد. قبل أن ألقي عليه تحية الجوار، بادرني بصوت
جاف ونبرة

تم نسخ الرابط