جارنا الجديد

موقع أيام نيوز

امتداد الأغصان، واستقامة الجذور في التربة. وبعد تنقيب دقيق، الټفت إليّ المفتش وابتسامة تفهم تعلو شفتيه، وقال سيدتي، الشجرة صحية تمامًا، وجذورها تتجه عموديًا إلى الأسفل دون أن تمس أساسات الجدار الفاصل. الأغصان الممتدة لا تتجاوز المساحة المسموح بها قانونًا، ولم أجد أي أثر لآفات أو إهمال. هذه الشجرة قانونية مئة بالمئة، والشكوى المقدمة ضدك كير كير ذات موضوع، وسأرفع تقريرًا ينفي كل ما ورد فيها.
تنقست الصعداء وشكرت المفتش، وحين غادر، رأيت خالد يقف عند باب بيته يراقب المشهد. كانت ملامحه تشي بهزيمة نكراء، وعيناه تقدحان شررًا. ومنذ ذلك اليوم، بطل تمامًا عن التحدث إليّ أو إبداء أي ملاحظة شفهية... لكن تصرفاته اتخذت منحنى آخر أكثر ريبة.
كف عن الصړاخ والملاسنات، واستعاض عنها بالصمت المريب والمراقبة الخفية. كان يراقب كل تحركاتي داخل الحديقة من خلف الستائر، كوحش يتربص بفريسته وينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض. تحول وجوده الشبح إلى ثقل يربك أنفاسي، وأصبح شعوري بالأمان داخل بيتي مهتزًا. شعرت بغريزتي أن الرجل لن يستسلم بسهولة، وأن وراء هذا الصمت المريب توترًا يتغذى على أحقاد لا معنى لها.
الحلقة الثالثة ليلة العاصفة المصنوعة
مع حلول أواخر أيلول، كانت شجرة التفاح قد بلغت أوج نضجها هذا العام. كانت أغصانها العالية والمنخفضة تترصع بمئات الثمار الحمراء الزاهية التي تموج بها الرياح الخفيفة. كان منظرها يدعو للبهجة، وكأنها ترغب في التعبير عن امتنانها لي لحمايتها من مطامع خالد. غير أن وجلي من تصرفات جاري كان يتزايد يومًا بعد يوم. أدى هذا الخۏف المتنامي في داخلي إلى اتخاذ خطوة لم أطلع عليها أحدًا؛ ذهبت إلى متجر للأجهزة الإلكترونية في وسط المدينة، وابتعث كاميرا مراقبة دقيقة، ذات عدسة ليلية متطورة وتقنية استشعار الحركة.
قمت بتركيب الكاميرا بنفسي وبسرية تامة، وأخفيتها بين أغصان متسلقة العرش المتشابكة فوق العريشة الخشبية المتاخمة للحديقة. كانت العدسة توفر زاوية رؤية واسعة وشاملة، تغطي جذع الشجرة بكامله، والسور الفاصل بيننا، والممر المؤدي إلى باب بيتي الخارجي. لم أكن أبتغي التجسس، بل أردت حماية نفسي وذكراي الوحيدة، علّ الأيام تجنبني شره.
وفي الليلة الماضية، كان الشتاء يبشر بقدومه ببرودة ناعمة في الجو، لكن السماء كانت صافية تمامًا والرياح ساكنة لا تحرك ساكنًا. أويت إلى فراشي في وقت متأخر بعد أن تفقدت أقفال الأبواب، واستسلمت لنوم ثقيل شابته بعض الكوابيس المبهمة عن أشجار تحترق وأوراق تتساقط في ظلمات لا نهاية لها.
في تمام الساعة السادسة صباحًا، استيقظت على زقزقة العصافير المعتادة. وضعت الشال الصوفي على كتفي، وفتحت شباك غرفة المعيشة المطل على الحديقة لأستنشق نسمات الصباح العليلة... غير أن المشهد الذي وقعت عليه عيناني جعل الډماء تتجمد في عروقي، وسقطت كوب الشاي الساخن من يدي لتتهشم على الأرضية الخشبية.
كانت الحديقة تبدو وكأنما ضربها إعصار مدمر. مئات التفاحات الناضجة كانت مرمية في كل حتة بلا أية رحمة؛ ملأت الجنينة، وبعثرت على الممر الحجري، ودهست داخل أحواض الورد الخزفية التي قضيت سنوات في العناية بها. أصبحت الأرض المكسوة بالخضرة عبارة عن سجاد مخضب باللون الأحمر المهروس. لم تكن ثمار التفاح مجرد تساقط طبيعي، بل كانت الشجرة شبه خاوية تمامًا من ثمارها! والأنكى من ذلك، أن العديد من الأغصان الصغيرة والمتوسطة كانت مکسورة ومتدلية ببشاعة، كأنما تعرضت لعملية سحل وشد عڼيف.
كان المنظر يعصر القلب عصراً. أسرعت بالخروج إلى الحديقة، وكانت قدماي ترتجفان وأنا أخطو بين الثمار المدهوسة. جلست على ركبتي
وأمسكت بفرع مكسور، وشعرت بدموع دافئة
تم نسخ الرابط