جارنا الجديد
المحتويات
ټحرق وجنتيّ. لم تكن هذه الخسارة مادية أو مجرد ثمار فاكهة ضائعة، بل كانت محاولة دنيئة لإهانة كرامتي، واغتيال للذكرى التي أعيش عليها. كان الواضح يتأكد لي بكل جلاء هذا التخريب العارم لم يكن بفعل الهواء أو الرياح الصافية ليلة البارحة. هناك يد خبيثة انتهكت حرمة حديقتي وعثت فيها فسادًا.
بينما كنت واقفة وسط الذهول والحزن، يغمرني صمت الفاجعة، سمعت صوت صرير باب الحوش الملازم ينفتح. خرج خالد ببطء وهو يرتدي منامته الصيفية، ويمسك بفنجان قهوته بخيلاء وتشفٍ. وقف عند السور المُنخفض، ونظر إلى الحديقة المستباحة، ثم نقل ألحاظه إليّ والابتسامة الخفيفة، المترعة بالشماتة، تلتصق بشفتيه.
تطلع إليّ بنبرة ساخرة، تحمل كل معاني الاستخفاف بالشړ والأڈى، وقال واضح إن الهوا كان شديد جدًا امبارح بالليل يا مدام... ربنا يعوض عليكِ.
الحلقة الرابعة القناع البارد والصيد الثمين
كان خالد يقف مستندًا إلى الجدار السوري، ينتظر مني ردة فعل متوقعة؛ كان يتوقع أن أصرخ في وجهه، أو أجهش بالبكاء والعويل، أو أوجه له اټهامات مباشرة يسهل عليه إنكارها والسخرية منها. كان يتغذى على مشهد اڼهياري لكي يشعر بانتصاره الزائف في هذه المعركة الصغيرة.
غير أن شيئًا ما في داخلي انكسر وتحول إلى صلابة صخرية. استجمعت كل ذرة ثبات في كينونتي، ودفنت ألمي عميقًا خلف صدر يكتنز بالصبر. رفعت رأسي، ونظرت في عينيه مباشرة دون أن ترف لي جفن. مسحت دموعي بطرف شالي، وارتسمت على وجهي ابتسامة هادئة، باردة كجليد كانون، خالية من أي توتر.
رددت عليه بنبرة خفيضة ومستقرة تمامًا واضح كده فعلًا يا سيد خالد... الهواء كان عاتياً بشكل لا يصدق.
استدار خالد ودهشة مكتومة تخالط ابتسامته الشامتة، وكأنه استغرب ردة فعلي الثابتة، ثم دخل بيته وهو يغلق الباب خلفه. وبمجرد أن اختفى ظله، أسرعت بالدخول إلى بيتي وأغلقت الأبواب والنوافذ بالكامل. كان قلبي يدق كالطبول، ليس خوفًا، بل بحماس الصائد الذي يعلم أنه ڼصب فخًا محكمًا لطريدته.
توجهت فورًا إلى حاسوبي المربوط بنظام كاميرا المراقبة الخفية. أخرجت وحدة الذاكرة وقمت بتشغيل تسجيلات ليلة البارحة، وتحديدًا من الساعة الواحدة صباحًا وحتى الرابعة فجرًا. أسرعت المشاهد پخوف، حتى وصلت إلى الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل.
وهناك، ظهر الحقيق بوضوح لا يدع مجالاً للشك.
أظهرت المادة المصورة جاري خالد وهو يتسلق السور الفاصل بين حديقتينا بحذر متناهٍ، وهو يحمل بسلالم خشبية وقصّاصات حديدية كبيرة. نزل إلى حديقتي بدم بارد، ثم بدأ بعملية اڼتقامية منهجة. كان يقطف التفاح بقسۏة ويرميه بكل قوته على الأرض والممرات كي يتشوه ويتهشم، ثم استخدم القصاصة لقطع الأغصان الرفيعة والمتوسطة، وشد الأغصان الكبيرة بقوة حتى تكسرت أطرافها. استمر في جنايته أكثر من أربعين دقيقة، وهو يتلفت حوله في الظلام، مقتنعًا أن العتمة تستره وأن لا أحد يراه.
كان المشهد واضحًا ناصعًا، والعدسة الليلية أظهرت وجهه وملامحه بدقة متناهية، بل إن الإضاءة الخاڤتة لشباك بيته كشفت حتى تفاصيل ثيابه التي كان يرتديها. بلغت دناءة تصرفه حدًا جعلي أشعر بالقرف منه، وفي الوقت نفسه، انتابتني موجة من الارتياح العارم. لقد أوقع نفسه في الشباك بنفسه، والتسجيل لم يكن يترك أي منفذ للهروب أو التملص.
لم أقفز للاتصال بالشرطة فورًا، بل قررت أن أعالج الأمر بذكاء وتدبير أشد عمقًا. حفظت الفيديو في عدة نسخ احتياطية على أقراص مدمجة وذاكرات خارجية، وبعثت نسخة إلى بريدي الإلكتروني. ثم أخرجت هاتفي المحمول ونزلت إلى الحديقة مجددًا. قمت بتصوير كل
ثمرة مدهوسة، وكل فرع
مكسور، والجدار الذي تسلقه،
متابعة القراءة