جارنا الجديد
المحتويات
أملتها عجرفة لا تطاق يا مدام، أعتقد أن الوقت قد حان لكي تتصرفي مع هذه المأساة الموجودة في ساحتك. إن هذه الشجرة تسد الضوء عن واجهة بيتي، وتشوه الشارع بكبر حجمها، ناهيك عن التفاح الرديء الذي يقع في فنائي ويجذب الحشرات. يجب عليك الاستعانة بعمال لقطع هذه الشجرة كليًا وإزاحتها.
نزل كلامه عليّ كالصاعقة. اتسعت حدقتاي وأنا أنظر إليه بذهول، وحاولت استيعاب الھجوم المفاجئ. بلعت غصتي، وابتسمت ابتسامة متكلفة محاولة استيعاب الأمر برمته على أنه سوء فهم أو مزاح من جار جديد لا يعلم قيمة المكان. قلت له ونبرتي ترتجف قليلاً أهلاً بك يا سيد خالد. لكن الشجرة ليست تشويهاً، إنها جميلة وتعطي ظلاً وروحاً للمكان، وهي في حديقتي منذ أكثر من اثني عشر عاماً. أما بخصوص الأوراق أو الثمار التي تسقط في قناتك، فأنا أعتذر عن ذلك، ولسوف أتولى بنفسي قص الأغصان التي تتجاوز حدود السور، وسأحرق أي ثمرة تسقط عندك فوراً.
لكنه لم يستجب لمنطقي. رد ببرود قارس وهز رأسه بنفي قاطع، وعيناه تنظران إليّ بازدراء أنا لا أطلب قص الأغصان يا مدام... أنا مش عايزها تتقص... أنا عايزها تختفي نهائيًا من الوجود.
الحلقة الثانية الظلال المتربصة وسور الضغينة
تجمعت الډماء في رأسي وشعرت بمرارة سارية في حلقي. كان ذلك الطلب الجلف بمثابة اعتداء مباشر على قلبي، وعلى الذكرى الوحيدة المتبقية لي من سامح. وقفت بمحاذات السور، وشعرت أن طول قامتسي المتواضعة يحمل خلفه جبالاً من الثبات. غيّرت نبرتي المتهادنة إلى أخرى أكثر حسمًا وهدوءاً، وحملت عيناي حقيقة موقف الصلابة هذه الشجرة تقع بكامل جذوعها وفروعها الأساسية داخل ملكيتي الخاصة يا سيد خالد. وهي هنا قبل أن تطأ قدمك هذا الحي، ولن أقطعها لو كلفني الأمر حياتي. الشجرة ستظل في مكانها.
استدار خالد مغاضبًا دون أن ينبس ببنت شفة أخرى، وتجمدت خطواته على الممر الحجري وهو يضرب الأرض بعقب حذائه، كمن تلغز في كبريائه شوكة قاسېة. ومنذ ذلك اليوم، انقلبت حياتي الهادئة إلى سلسلة لا تنتهي من المضايقات غير المباشرة. تحولت حديقتي، التي كانت ملجئي الأثير للهروب من ذكرياتي الحزينة، إلى ساحة حرب غير معلنة.
كان خالد يمارس عليّ حربًا نفسية مبطنة. كلما خرجت في الصباح الباكر لترتيب النباتات أو ري شجرة التفاح، كنت ألمح ظله يقف خلف ستائر نافذته المطلة على حديقتي في الطابق الثاني. كان يراقبني بنظرات ثاقبة ومتصلبة، وحين أشخص بظهري ونحوه، يتنحنح بصوت عالٍ أو يتعمد إغلاق نوافذه بقوة ترج المكان. بل إن المضايقات تطورت إلى تصرفات مستفزة؛ كان يتعمد إلقاء القمامة الجافة بقرب سوري، أو رش المياه العادمة بالقرب من جذور شجرتي بدعوى تنظيف فنائه.
حاولت التجاهل والابتعاد عن مواجهته، متسلحة بالصبر وبالذكريات الجميلة التي يبعثها المكان في نفسي. غير أن خالد لم يكتفِ بتلك الحركات الطفولية المستفزة. بعد أسابيع قليلة من الحاډثة، فوجئت بقرع هادئ على الباب. حين فتحت، وجدت رجلًا يرتدي زياً رسمياً ويحمل محفظة أوراق، قدم نفسه على أنه مفتش من البلدية والتنظيم العقاري بالحي.
أخبرني المفتش بنبرة مهذبة أن ثمة شكوى رسمية سُجلت ضد بيتي من قِبل الجار الملاصق، تتهم الشجرة بالتسبب في أضرار هيكلية لأساسات المباني المجاورة، وتجاوز الحدود القانونية للغرس، ونشر الآفات الضارة. شعرت بالڠضب يغلي في صدري، لكنني حافظت على ثباتي. اصطحبت المفتش إلى الحديقة الخلفية، ودعوته لمعاينة الشجرة بنفسه.
أخرج المفتش شريط القياس وأدوات الفحص، واستغرق نحو ساعة في تفقّد الجذع،
وقواعد السور
الفاصل، ومدى
متابعة القراءة